اديب العلاف
48
البيان في علوم القرآن
ولكن يمكننا الاستعانة بكل ما جاء من التعاريف للمحكم والمتشابه . . وأخيرا فالمحكم كالمتشابه يتفق معه في وجه ويخالفه من وجه آخر . . فيتفقان في أنّ الاستدلال بهما لا يمكن إلا بعد معرفة حكمة الواضع . . ويختلفان في أنّ المحكم بواقع اللغة لا يحتمل إلا وجها واحدا فمن سمعه أمكنه أن يستدل به في الحال . . أما المتشابه فيحتاج إلى تمهل عند سماعه ليحمله على الوجه المطابق له . . كما هو الحال في بعض صفات اللّه وأفعاله . وكذلك فالمحكم يعلم مفصلا والمتشابه لا يعلم إلا مجملا . ويقول اللّه في كتابه العزيز : هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ « 1 » [ آل عمران : 7 ] . في هذه الآية الكريمة يعرفنا اللّه بوجود آيات محكمات واضحات المعنى . . وينطبق عليها ما شرحناه آنفا من تعريف المحكم والمتشابه . . ولا تتحمل إلا وجها واحدا من التفسير . . وكذلك يحتوي أيضا على آيات متشابهات تحتمل عدة أوجه من المعاني . . وإنّ الذين في قلوبهم تردد وميل إلى الباطل يتبعون المتشابه من الآيات . . مثل الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى وذلك طلبا للفتنة بين الناس وطلبا لتأويله . . والحقيقة أنّه لا يعلم تأويله إلا اللّه والراسخون في العلم فهؤلاء يقولون آمنا بكل القرآن محكمه ومتشابهه . . لأنه
--> ( 1 ) عليك : يا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم . الكتاب : القرآن الكريم . آيات محكمات : آيات واضحات المعنى لا تحتمل التأويل إلا من وجه واحد . آيات متشابهات : آيات تحتمل أوجها متعددة من التغيير والتأويل . زيغ : ميل عن الحق يحتمل التشكيك . ابتغاء تأويله : أي طلب تأويله كما يريدون . أولو الألباب : أصحاب العقول السليمة .